لو عندي فكة 500 كان ما شفتني بكلية العلوم

عندما كنت طالبا في جامعة الملك سعود، كنت مع أحد الأصدقاء في كافيتيريا بائسة في كلية العلوم وكان أحد عمال الكافيتيريا يسأل عن فكة 500 ريال فجاوبه طالب ملأ وجهه البؤس “لو عندي خمسمية كان ما شفتني بالعلوم، كان تلقاني بالهندسة ولا غيرها”.

قد يكون كلامه ساذجا أو سطحيا للوهلة الأولى، لكن لو فكرت في كلامه قليلا، قد يكون فعلا سبب وضعه المادي هو ما جعله يحصل على تأهيل أقل ومن ثم فرصة أقل في القبول في الكلية التي يراها مكانا أفضل بالنسبة له، فحرية الإختيار مربوطة بالقدرة على الإختيار. من حصل على درجات أقل في الثانوية قد لا يكون خياره بقدر وجود عوامل عديدة ساهمت في ذلك من ضمنها وضع أسرته التعليمي والمادي وغيرها.

وعلى ذلك، معظم من تخصصوا في الجامعة في تخصصات لها فرص وظيفية أقل نسبيا هو ليس بسبب أنهم لم يختاروا تخصصات أفضل، بل قد يكون هذا هو الخيار الأفضل حسب درجاتهم وأيضا حسب معرفتهم بالحياة وسوق العمل وغيرها. عموما كلامي في هذه المقالة هو عن أهمية التعليم الجامعي للمجتمع والدولة.

يطالب البعض بتقليل عدد المقبولين في الجامعات السعودية والذي تمثل نسبتهم تقريبا 70% من خريجي الثانوية العامة. ولا أعلم مالهدف من هذا، البعض يقول أن عدد كبير منهم يتوجه لتخصصات إنسانية لا يوجد لها فرص وظيفية كافية في السوق السعودي. لكن لماذا لا يتم توجيههم لتخصصات جامعية أخرى (هندسية/علمية، صحية، إدارية) بدلا من توجيههم لسوق العمل مباشرة أو للحصول على تدريب فني بسيط؟

قد يقول البعض أن السبب هو عدم قدرة الأقسام الأخرى على استيعاب عدد أكبر من الطلاب والمحافظة على جودة معينة، ولكن هل هذه المشكلة لا يوجد لها حل؟ وهل أصلا الجودة الحالية مقنعة؟

أولا لابد أن نعرف أن طبيعة الأعمال البشرية تغيرت وستستمر بالتغير، فقلت الحاجة إلى الأيدي العاملة غير المدربة بوجود التقنية في كل المجالات، وستقل هذه الحاجة مع الزمن بتطور التقنيات وانخفاض تكلفتها. مثلا، المزارع أصبحت تدار بالأجهزة الميكانيكية فتم استبدال عشرات العمال بعامل واحد يقود الآلة، وحتى هذا العامل تم استبداله بروبوتات بعد دخولها في المجال الزراعي، وسيكون هذا الوضع في جميع مزارع العالم في المستقبل القريب نتيجة ارتفاع مستوى التقنية وانخفاض تكلفتها. المطارات أصبح فيها بوابات الكترونية وهي في ازدياد مستمر. حتى التنظيف، توجد روبوتات الآن تكنس البيت ويمكن برمجتها بجدول معين وأنا شخصيا استخدمها فهي أريح وأوفر بكثير من استئجار خدمات شخص لتنظيف منزلك، وما زالت تتطور أكثر وأكثر.

في المقابل، أصبحت الأعمال تتطلب مهارات ومعرفة أعلى من شبه المستحيل اكتسابها بدون دراسة نظامية، فشركات الأغذية والمزارع أصبحت تحتاج إلى أشخاص متخصصين في التقنيات الزراعية لتطوير المنتجات بالتقنية والمعرفة التي ساهمت في وفرة الغذاء ورفع جودته وتقليل تكلفته. كذلك الأعمال الإدارية الحديثة تحتاج معرفة ومهارات عالية سواء في الإدارة والتخطيط والقيادة وغيرها، والعمل الروتيني البيروقراطي استبدل بالبرمجيات الإدارية مثل أنظمة تخطيط الموارد ERP. وعلى ذلك كثير من مجالات الحياة.

لذلك، على المدى البعيد، تقريبا كل الوظائف (التي يمكن أن توفر معيشة كريمة للإنسان) ستكون وظائف لا يمكن استبدالها بالآلة وتتطلب مهارات عقلية ومعرفة عالية وواسعة لا يمكن اكتسابها إلا بالتعليم العالي النظامي. وعدم وجود عدد كاف من المؤهلين سيجعل الدول تضطر للتخلف التقني لتوظيف عدد كبير من الناس في وظائف هزيلة، كما هو حاصل في كثير من الدول حاليا، فمثلا بعض الولايات في أمريكا تمنع تعبئة الوقود ذاتيا لأسباب عديدة منها توفير فرص عمل! وهذا يدخل فيما اسميه “متلازمة الحل الأسهل” الذي هو الأسوأ غالبا. فبدلا من رفع مستوى الموارد البشرية ، يتم تقليل الاستفادة من التقنية وتحفيز المبتكرين لتطويرها مثل تصميم خزانات وقود صغيرة بحيث توزع في أماكن كثيرة جدا بدلا من أن تكون في مكان واحد مثل محطة الوقود، بالمقابل توفير وظيفة قد لا تسد حاجات الإنسان الأساسية فضلا عن رفاهيته.

أما بالنسبة لكون الجامعات (في السعودية) لا تستطيع رفع عدد المقاعد في التخصصات الأكثر طلبا في السوق فهذه لها حلول عديدة، أولها استقلال الجامعات إداريا بأن يكون لها المرونة في استقطاب أعضاء تدريس لهم كفاءة عالية، وخروج الأستاذ الجامعي من تعقيد وقيود أنظمة الخدمة المدنية.

و يمكن تقليل العبء المادي عن الجامعات بأن تكون الجامعة مسؤولة عن جزء من مواردها المالية، سواء بالرسوم الدراسية، وذلك بأن يكون جزء من الطلاب مدفوع عنهم الرسوم وتدفع لهم مكافأة مشروطة بتحقيق معدل معين، وجزء آخر يدفع الرسوم. كذلك بتحفيز القطاع الخاص على تقديم المنح الدراسية للطلاب وذلك بمنحهم امتيازات من الحكومة لخدمتهم المجتمع. فضلا عن أن استقلال الجامعات سيجعلها تتبنى مفهوم الحصول على موارد من الأوقاف واستغلال المنشآت الكبيرة في تشغيلها وقت أطول، فمثلا يمكن للجامعات تقديم برامج برسوم وتمديد فترة عملها لأوقات أطول. فبدلا من أن يدرس مثلا 1000 طالب من الساعة 8-4، يدرس 500 طالب إضافي من الساعة 4-8 برسوم دراسية. وبذلك زاد عدد الطلاب وزاد دخل الجامعة. فضلا عن الدورات التدريبية واستضافة المؤتمرات وغيرها التي تعطي مصدر دخل إضافي للجامعات. قد يقول البعض أن بعض الجامعات تقدم برامج مشابهة (دراسة برسوم)، ولكن مشكلتها أنها في تخصصات محدودة ومفصولة عن البرامج الأخرى حسب حد علمي. لذلك أرى من الأفضل أن تكون هذه البرامج في الكليات التي عليها طلب عالي، فيتم زيادة عدد المقاعد مقابل رسوم دراسية على المقاعد الإضافية. أيضا تحفيز القطاع الخاص على الاستثمار في التعليم العالي مع رفع جودته بالتقييم الأكاديمي، ويمكن ذلك بمنح قروض ميسرة لبناء الجامعات أو دفع الرسوم الدراسية كمنح للطلاب. بالإضافة إلى وضع تشريعات تساعد البنوك في منح قروض ميسرة للطلاب للحصول على مقاعد دراسية في حالة لم تنطبق عليهم شروط المنح ولا يوجد لهم الإمكانيات المادية لدفع الرسوم.

وكما ذكرت بداية، طبيعة الأعمال تغيرت وتطورت وهي في تغير مستمر وتحتاج لتأهيل علمي عالي، فإصلاح الأنظمة وتطويرها لن يغير من طبيعة الإقتصاد إلى إقتصاد منتج غير ناضب بدون وجود عدد كبير من المؤهلين. فلا يمكن مثلا أن يكون لدينا صناعة تقنية معلومات بدون عدد كبير من المؤهلين في هذا المجال فهي كما الصناعات الأخرى تكاملية، تحتاج عدد كبير من الشركات حتى تكون سوق كاملة منتجة وكذلك بقية الصناعات. فضلا عن أنه على الأقل في الفترة الحالية ما زال لدينا عجز كبير في كثير من التخصصات في سوق العمل.

أخيرا، تمنيت لو أن جامعة الملك سعود كان عندها برنامج يسمح لذلك الطالب أن يدرس في كلية الهندسة مقابل رسوم يمكنه سدادها كقرض ميسر من أحد البنوك بعد أن يتخرج من القسم الذي كان طموحه!

رأي واحد على “لو عندي فكة 500 كان ما شفتني بكلية العلوم”

  1. تكلفة تدريس الطالب ٤ سنوات بمواد قد لا يحتاجها مثل متطلبات الجامعة عرب وسلم ومواد حره الخ هي تكلفة في غير محلها مقابل تخصص الطالب تخصص انساني.
    لكن ظهرت الكليات التقنية مده اقصر نسبيا (سنتين) وتهيىء الطالب لسوق العمل بشكل كافي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *