وش مصدرك؟

كثير من النقاشات وغيرها يكون من أهم الاختلافات بين الأطراف هو الاتفاق على صحة المعلومات، وغالبا ما يشار إلى ما هو مصدر هذه المعلومة، وفي الغالب لا يثق أحد الطرفين بمصدر الآخر.

عموما هذه خاطرة قصيرة في بالي وودت مشاركتها ومشاركة أفكاري فيها معكم.

نوع المعلومة

هنا نوعين من المعلومات (في هذا السياق)، نوع يحتاج لمصدر موثوق (ومهما كان موثوقا يظل هناك عامل خطأ)، ومعلومات أصلا هي تثبت نفسها بنفسها. مثلا لو قال شخص أن معدل رواتب السعوديين مثلا 8 آلاف ريال، والمصدر هو مصلحة الإحصاءات العامة، طبعا هنا إما أن تصدق الشخص نفسه أنه فعلا نقل المعلومة كما هي وتكتفي بذلك، وإما تتحقق بنفسك عن وجود هذه المعلومة من ذاك المصدر. أيضا يمكنك التحقق من صحة المعلومة بشكل أكبر عندما تطلع على كيف توصل إليها المصدر، وأحيانا يمكنك أيضا التحقق من مدى حيادية المصدر في نقل المعلومة، فهناك معلومات معينة قد تقل الثقة فيها من مصادر تكون غير محايدة فيها، مثلا الشركات الربحية غالبا ستبرز المعلومات التي تريد لكسب الزبون، بينما لو كان هناك مصدر حكومي مستقل عن الشركات أو منظمة تعاونية أو غيرها هدفها تقييم أداء الشركات فستكون أكثر حيادية بكثير، ومثال آخر هو بعض ما تنشره الصحافة (أو أي وسيلة إعلامية ربحية) عن الشركات التي غالبا ما تكون منحازة لبعضها بسبب الإعلانات.

في الجانب المقابل، هناك معلومات هي بنفسها تثبت نفسها ولا تحتاج لمصدر معين، فمثلا لو كانت المعلومة هي نظرية معينة مع إثباتها الرياضي أو العملي أو غيره فلا يحتاج أن تقول ماهو مصدر المعلومة للتحقق من صحتها لأنها هي بنفسها تثبت صحتها! وهذا النوع من المعلومات غالبا ما يكون في المجال العلمي أكثر من غيره في مجالات الحياة الأخرى.

الثقة بصحة المعلومات

من شبه المستحيل التحقق من صحة كل معلومة تمر عليك بنفسك خاصة إذا كانت المعلومات في مجالات مختلفة في الحياة، لذلك أحيان قد نكتفي بالتصديق بالمعلومة بأنها من مصدر موثوق، ولكن مالذي يجعل مصدر معين له قيمة أكثر من مصدر آخر؟ وهذه بالمناسبة وبرأيي الشخصي أجدها من أكثر المعضلات في مجتمعنا، فهناك مثلا من يرى مصدر المعلومة من شخص عادي أكثر من الجهات الرسمية مهما كان مجال التخصص، فمثلا هناك من يرى أن مصدر رؤية هلال الشهر الجديد من شخص بسيط بأدوات بدائية أكثر ثقة من جهة علمية تمتلك أجهزة متطورة وكفاءات متخصصة في مجال الفلك وغيره.

برأيي أهم سبب للثقة بالمصدر هو مدى معرفة الشخص بكيفية تحقق المصدر من صحة المعلومات التي ينشرها، فمثلا في المجال العلمي هناك مجلات علمية متخصصة مرموقة بسبب أنها لا تنشر الأبحاث إلا بعد تدقيق وتمحيص شديدين مثل مجلة nature، لذلك تجد أغلب العاملين في المجال العلمي يثقون جدا بالمعلومات التي تصدر عن nature لمعرفتهم بآلية النشر فيها، بالجانب المقابل، تجد مثلا من يصدق فعلا أنه يمكن لشخص متواضع تقنيات وعلميا أن يخطئ كل التقنيات والتقدم العلمي الموجود بسبب أن “عيونه كبار” وأنه ملتزم دينيا فلا يمكن بأي حال من الأحوال أن “يحط في ذمته شيء”. فهو يرى أن ثقته بالمصدر هو أن هذا الشخص لا يمكن أن “يكذب” لخطورة الكذب في مثل هذه الأمور، وأيضا لعدم معرفته بكيف أصلا يمكن لمعلومة مثل هذه أن يتم التحقق منها. لذلك من المهم أصلا أن يعرف الشخص طبيعة المعلومة وكيف يمكن أن تستخلص حتى يستطيع تقييم مدى ثقته بالمصدر، بعد أن يعرف الآلية والمنهجية التي يتبعها المصدر في نشر معلوماته.

أيضا هناك عامل آخر يرفع من صحة المعلومة وهو كثرة المصادر التي تشير إليها خاصة عندما تختلف توجهات المصادر وأهدافهم وهذه غالبا تكون في الأخبار السياسية وغيرها التي يقل فيها الحياد بشكل كبير جدا. وهذه بالمناسبة مهمة جدا في الدراسات التاريخية، فمن المعروف أن التاريخ يكتبه المنتصر، ولكن في حقبات زمنية معينة حدثت أحداث كبيرة تم تدوينها في حضارات مختلفة، لذلك يدرس الباحثون في المجال التاريخي هذه الأحداث من مصادر مختلفة ومن ثم محاولة التقريب بينها للحصول على أقرب معلومة تصف فعلا ما حدث. فضلا عن التحليل النقدي للطرح التاريخي، فمثلا يصعب تصديق أن شخص كان يعيش في بذخ ومحاط بالجواري والزوجات والقصور وغيرها أنه كان زاهدا في الدنيا وتقيا وغيرها.

الحكم على الشيء فرع عن تصوره

خطر على بالي البحث الذي نشره ستيفن هويكنق قبل حوالي سنة حول عدم وجود الثقوب السوداء وردة فعل المصادر بحسب تخصصها وماذا كتبت عنه وأيضا حديث بعض الناس عنه. لو قرأت المجلات العلمية المتخصصة ستجد من مجرد قرائتك للعنوان ما هو المقصود بعدم وجود الثقوب السوداء أنها معلومة عميقة جدا وتتحدث عن خاصية أنه لا يمكن لأي شخص أن يخرج من الثقوب السوداء بحسب الفيزياء الكلاسيكية والكمومية، ولكن عندما تقرأ مصدر غير متخصص قد يشعر الشخص أنه فعلا اكتشف ستيفن هويكنق لا يوجد الثقوب السوداء المعروفة والتي تدرس في كل جامعات العالم (الجامعات الحقيقية)، ويعتقد فعلا أن كل ما كان لدينا هو خطأ! لذلك تجده يشعر أنه فعلا يمكن في يوم من الأيام أن يكون هناك اكتشاف علمي يقول أن مثلا الأرض لا تدور حول الشمس أو غيرها من النظريات العلمية. وهذا ناتج عن عدم معرفة الشخص بالمعلومة نفسها وماذا تعني وأحيانا بسبة الIQ!

لذلك من المهم في البداية معرفة الشيء نفسه قبل الحكم عليه، فمثلا في المجال الإقتصادي من الممكن أن يقل ثقة الشخص بمصدر معين في حالة أنه يجهل كيفية التنبؤ يكون في المجال الإقتصادي، فمثلا لو كان هناك مصدر جيد وتوقع مثلا ميزانية دولة ما قبل صدورها بأشهر وحدث هناك تغير بنسبة 30 بالمئة مثلا عن المتوقع، قد يعتقد البعض أن هذه المصدر غير دقيق وقد يقلل ثقته فيه رغم أن المعلومة تعتبر دقيقة جدا خاصة أنها معلومة مستقبلية وليست حالية.

أيضا بالعودة إلى موضوع رؤية الهلال مثلا، من لا يعرف أساسيات ومبادئ الفلك ورؤية الأهلة يكون أكثر عرضة لتصديق المعلومات الخاطئة من مصادر يعتقد أنها أكثر موثوقية. فمثلا أذكر أن أحدهم بسبب أنه لا يعرف الفرق بين دخول الشهر فلكيا وشرعيا يقول أن نفس الشخص كان يقول الشهر في اليوم الفلاني ومرة يقول في يوم آخر! والشخص طبعا هذا هو شخص موثوق ومتخصص وكان يتحدث مرة عن دخول الشهر فلكيا ودخوله شرعيا (بامكانية الرؤية).

غياب الدليل ليس دليل الغياب

أيضا من المهم أن نعرف أن المعلومات وخاصة المهمة جدا منها (التي تؤثر على البشرية) يصعب أن نقول أنها صحيحة لمجرد أن فلان قالها، فمثلا في المجال العلمي، ألبرت أنشتاين أحد أهم العلماء في تاريخ البشرية والذي ساهم في الحضارة الإنسانية وتطورها بشكل كبير، كان يقول أن الكون لا يتمدد ولم يكن هناك لديه إثبات معين ولكن لنقل تجاوزا كان مجرد رأي ولم يدع أنها معلومة مثبتة وقطعية، وبعد سنين من عمله في مجال معين ثبت لديه أن الكون غير ثابت ويتمدد وقال أنه أكبر خطأ اتخذه في حياته. طبعا أنشتاين رغم أنه عالم كبير وساهم بنظريات جبارة، إلا أنه كان مخطئا ليس في معلومة مثلا في مجال الرياضة، وليس فقط في معلومة في المجال العلمي! وليس أيضا فقط في الفيزياء! بل في تخصصه هو! وفي شيء قريب جدا من النسبية العامة التي تنسب إليه! لذلك من المهم جدا خاصة في المجال العلمي أن تكون المعلومة مثبتة بغض النظر عن مصدرها.

في الجانب المقابل، المعلومة التي لا يوجد ما يدعم صحتها لا يعني بالضرورة أنها خاطئة مالم يكن هناك معلومة أخرى تناقضها وتكون مثبتة بشكل أكبر. وهذا غالبا ما يشار إليه بأن غياب الدليل ليس دليل الغياب، فهناك معلومات معينة قد يكون من الصعب الإستدلال على صحتها، مثلا أن يقول لك الشخص معلومة عن حدث شخصي حصل له ويصعب التحقق منه لا يعني أن الشخص هذا يكذب. ولكن في الجانب المقابل وهو أمر مهم برأيي هو أن بعض المعلومات أصلا غير قابلة للتخطئة ولا للإثبات، وبنظري هذا النوع من المعلومات لا قيمة لها أساسا وغالبا (إن لم يكن دائما ليست صحيحة). فمثلا لو إدعى شخص أن لديه صديق من خارج الأرض، ولكن لا يمكن رؤية هذا الصديق ولا التحدث معه، ولا أي وسيلة من وسائل التواصل، بسبب أنه كائن فضائي له خصائص فيزيائية أخرى. ولا يمكن بأي وسيلة اختبار فعلا وجود هذا الصديق الفضائي، هل يعني فعلا أنه غياب الدليل ليس دليل الغياب؟ أم أن أصلا الفرضية نفسها موجودة بسبب أنه لا يمكن تخطئتها (وبالطبع لا يوجد ما يثبتها)؟  هذه الفكرة مأخوذة من العالم الكبير كارل سيقان وتجدها هنا (التنين في الكراج)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *