سام هاريس والبنشري!

قد يستغرب القارئ ما علاقة الدكتور سام هاريس عالم الأعصاب والفيلسوف والكاتب الأمريكي ببنشري بسيط يعمل في أحد محطات شمال الرياض؟

ولكن حصل لي موقف عجيب سأعرضه ثم أناقش بعض الأفكار التي تربط بين سام هاريس والبنشري!

بعد أقل من ساعة من إرسالي لتغريدة في تويتر عن أحد المحاضرات لسام هاريس بعنوان “هل العلم قادر على الإجابة عن الأسئلة الأخلاقية؟” وقبل أن أخرج من منزلي، وكما هو متعارف عندنا فالمسافر بحكم الميت فيورث كل ما يملك! اكتشفت أن أحدهم قام بقيادة سيارتي أثناء سفري والدخول بها ربما إلى مركز الملك عبدالله المالي، وذلك لوجود مسمارين في أحد الكفرات! والحمد لله أنها جاءت على السيارة!

على كل حال، ذهبت إلى أحد المحطات القريبة من منزلي لرقع الكفر، وعندما قام البنشري بفك الكفر من مكانه في السيارة، اكتشفت أني لا أملك مبلغ “كاش” كافي (كوني من الناس الذين لا يحبذون حمل الكاش لأسباب تقنية)، ولأن مؤسسة النقد إلى الآن لم تشجع على وضع نقاط البيع POS  في جميع المحلات، ذهبت لصرافة آلية ATM تقع بداخل المحطة وكما هو غير مستغرب فقد كانت تعرض هذه الشاشة بدلا من هذه! عدت إلى صديقي البنشري (الذي لا أعرفه ولا يعرفني من قبل) وطلبت منه إعادة الكفر حتى أذهب إلى صرافة أخرى بعيدة، فقال لي “خليها بكرة أو أعطيها عمال البنزين، يعني أيش بتهرب مثلا؟”، وأثناء عمله على رقع الكفر، جاء زبون ونزل من سيارته بسرعة يقول بصوت عال “فيه أحد يطلع؟ لأن فيه عائلة متعطلة وعندهم كفرين مبنشرة”، قال البنشري له “خلاص بنقفل، الساعة الحين 12 الا 10 ولازم نقفل 12، والأسبوع الماضي غرمونا 5 آلاف!”.

بعد محاولة إقناع الزبون للبنشري التي لم تثمر بنتائج  ذهب الزبون، وقال لي البنشري بعد أن سألته عن تفاصيل الغرامة “أقدر أقفل المحل وأطلع معه (يقصد الزبون) بس ياخي مارتحت له!”  وأثناء عمله كان يروي لي بعض القصص مع الزبائن الذين يتفقون معه في البداية على سعر معين ثم لا يعطوه إياه، خاصة إذا كان العمل خارج المحل (يصلح الكفر في المكان التي تقف فيه السيارة)، وكرر أن الزبون الذي ذهب “من شكله” من الناس الذين لا يحبذ التعامل معهم.

عموما بعد أن إنتهى من رقع كفري، ذهبت لصرافة قريبة وعدت للمحطة وقمت بإطفاء سيارتي والنزول منها لأبحث عنه كونه قد أغلق محله ويسكن بالقرب منه على حسب ما أخبرني، بعد أن وجدته وأعطيته حقه، عدت إلى سيارتي (وكما أن المصائب لا تأتي فردا) حاولت تشغيلها ولكن البطارية تعطلت! عدت إليه وكان معه عامل مغسلة السيارات الذي أعرفه منذ فترة طويلة، فسألته محرجًا هل يمكنه فتح المحل وإعطائي بطارية؟ خاصة أنه قام بإغلاق المحل والساعة تجاوزت 12 والربع، وكما قال سابقًا أنه حصل على غرامة بمبلغ 5 آلاف ريال! فقبل أن يتكلم البنشري أصر عليه صديقي عامل المغسلة الواقف بجنبه، وفعلا قام مشكورًا بفتح المحل وتغيير البطارية، وتكررت نفس قصة الكاش! قال لي وقتها “خلاص ياخي جيبها بكرة! روح كمل سهرتك!” عموما ذهبت لنفس الصرافة وعدت إليه سريعًا وأعطيته المال وأنتهت هنا قصتي معه.

الموقف طرح في بالي تساؤلات عديدة، وخاصة عندما تذكرت أني قبل أقل من ساعة أرسلت مقطع عن التفسير العلمي للقضايا الأخلاقية، وما حدث بيني وبين البنشري يعبر عن مفهوم عميق للأخلاق، فكيف يثق بي البنشري وأنا لا أعرفه ولا يعرفني ولم يسبق لي أن إلتقيت به؟ وفي نفس الوقت يرفض مساعدة  حالة إنسانية إلى حد ما مع إستطاعته مساعدته بمقابل، وذلك بحجة “ما ارتاح لشكله”! فقررت هنا عرض تجربتي وربطها مع محاضرة هل “هل العلم قادر على الإجابة عن الأسئلة الأخلاقية؟

تحليلي للموضوع، أنه بناءً على الخلفية والتجارب التي مر بها البنشري وأثناء الفترة القصيرة التي تعاملت معه وتعامله مع الزبون كانت ردة فعله بالشكل الذي حصل، حسب ما أراه أنه لا يوجد فارق كبير في المظهر بيني وبين الزبون من ناحية المعايير المتعارفة لدينا، مثل طريقة لبسه (شماغ على الكتف)، شكل السيارة (مفكك الطيس!) باستثناء إختلاف الملامح طبعا، والتي لا يملك الإنسان خيارًا فيها. ولكن قد يكون تباين ردتي الفعل بسبب أني دخلت المحل في البداية بهدوء (كوني وقتها لست على عجالة) وسلمت عليه وسألته عن نوع الرقع المتوفرة لديه وسعرها، وبعد ذلك اتفقت على نوع معين بسعر معين، فذلك كون لديه نوع من الإرتياح أني لن أسرقه فسمح لي أن أسدد له المبلغ لاحقًا، بينما الزبون الآخر ربما بسبب الموقف الذي مر به مع عائلته، فقد دخل للمحل وهو “متنرفز” ويتحدث بصوت عالٍ كون لدى البنشري نوع من عدم الإرتياح للشخص ولم يحاول حتى مفاوضته. هذا ما يخص الموقف الأول، وقد يكون تسامح معي بسبة أن المبلغ ليس بالمبلغ الكبير (أقل من 50 ريال)، أما الموقف الثاني وهو فتحه للمحل مع إمكانية حصوله على مخالفة عالية، فضلا عن تعطيله عن فترة راحته، وتسامح عن مبلغ كبير نسبيا (أكثر من 300 ريال) فأعتقد أنه بسبب طبيعة العلاقات بين البشر، فالشخص عندما يمر بمواقف معينة مع شخص آخر يتكون لديه نوع من الثقة أو عدم الثقة، ويبني عليها طرق تعامله معه، خاصة بقرب الفترة الزمنية ومدى تأثير الموقف، فالبنشري هنا كون معي علاقة إنسانية بسيطة، وبنى عليها ثقة عندما عدت إليه في الحال لأسدد له مبلغ رقع الكفر. وللتوضيح ستشكر شخصًا (لنقل لا تعرفه جيدًا ولكنه يوجد معك في العمل) قدم لك معروفً بسيطًا مثل فتح الباب لك في وقتها وقد ترتاح له لفترة بسيطة، ولكن بعد فترة قصيرة ستنسى هذا المعروف البسيط، ولن تذهب إليه وتقول شكرًا على موقفك الذي لن أنساه طواله حياتي بفتحك لي الباب في عام 2013! وقد لا يكون تعاملك معه لاحقأ مبينا على ثقة لمجرد ذلك الموقف البسيط، في المقابل لو قدم لك أحدهم معروف كبير أو بينك وبينه علاقة جيدة نتيجة فترة طويلة من المواقف الجيدة فإن تعاملك مع الشخص ستكون مبنية على ثقة كبيرة.

أيضًا أحب أشير فيم يخص موضوع الفترة الزمنية للعلاقات البشرية هي أنه بانقطاع شخص عن شخص آخر لأي ظروف كانت، سيقلل ذلك ثقتهما ببعض مع الوقت (مع إمكانية إستعادتها بشكل سريع)، فعلى سبيل المثال لنقل أنك احتجت إلى مبلغ مالي كبير نسبيا، ولديك صديق قديم لم تقابله منذ فترة طويلة (لنقل منذ أكثر من سنة) ولكن كانت علاقتكما قوية جدا وانقطعت بسبة ظروف العمل أو غيره، ولديك صديق آخر لم تصل قوة صداقتكما مثل التي بينك وبين الصديق القديم، ولكن ما زلت على التواصل معه وتجمعكما علاقة طيبة وقوية. أتوقع أنك ستفضل سؤال الصديق الثاني عن الأول، وحتى لو أزلنا عامل الإحراج كونك منذ فترة لم تقابله (أعني الصديق القديم) وستخجل أن تتصل به بعد هذا الإنقطاع لتطلب منه سلفًا. لنفترض أنك لا تريد منه مالا، بل لديك سر أو موقف معين لا تريد أن يعرفه إلا من تثق به وتجمعك به علاقة وطيدة، أتوقع أنك لو قابلت صديقك القديم لن تقول له هذا السر أو الموقف إلا بعد أن تعود علاقتكما كما كانت، بالمقابل سيكون أسهل عليك أن تقول لصديقك “الجديد نسبيًا” هذا الموقف أو السر.

تتغير الأخلاق والتي تحكم العلاقات البشرية  بتغير ظروف عديدة مثل الشخص الذي سنتعامل معه وطبيعة مكاننا ومدى تأثير فعل معين على حياتنا، فلا يدعي شخص ميسور الحال أنه أكثر أخلاقًا من شخص مدقع الفقر لأنه لا يسرق الخبز ليأكل أطفاله، أو يدعي شخص مغمور أنه لا يحاول مجاملة الرأي العام أو المسؤول عندما يتم سؤاله عن رأيه حول موقف معين، فالأول وصل من الحاجة أن يسرق ليأكل أطفاله الذي يعتبرهم أغلى من كل الوجود (وهنا لا أدعو للسرقة بدافع الحاجة).، والآخر مجاملته أو تصنعه هو حماية لشخصه ومكانته التي يصعب على الإنسان التنازل عنها. وكما ذكر هاريس في محاضرته مبدأ “Don’t lose your queen” (لا تخسر وزيرك) في لعبة الشطرنج ليس دائما صحيحًا، أحيانًا قد تكون خسارتك للوزير في لعبة الشطرنج ضرورية أو خطوة ذكية، ولا أريد في هذه المقالة التحدث عن قضية هل الغاية تبرر الوسيلة.

ما أردت إيصاله  بإيجاز أن بعض المواقف التي نرى أنها غير أخلاقية قد لا تكون كذلك، أو بشكل أقل قد لا يكون صاحب الموقف شخص لا يملك أخلاق عالية، فصديقنا البنشري لم يكن موقفه بعدم مساعدة الزبون بسبة أنه لا يتمتع بحس أخلاقي، ولكن قد يكون ناتج عن خوفه من أن الزبون لن يدفع له أو أن يحصل على غرامة بسبة فتح المحل إلى بعد الساعة 12 (وهذا ما يترتب عليه خسارة كبيرة تنتج عنها تقصير أخلاقي من قبله تجاه الآخرين)، وما يمكن أن يحل هذه المشكلات هو محاولة تحويلها إلى حقائق، كيف تعرف فعلا أن الزبون سيدفع أم لا؟ لنقل أن مسألة البنشري مسألة بسيطة، لكن كيف يثق فيك البنك بإعطائك لقرض كبير؟ أحد الأساليب المتبعة هي توقع مدى إمكانية وفاؤك بالمبلغ بناءً على حقائق، مثل ضمان الموظف الحكومي أكثر من الموظف في القطاع الخاص نتيجة لمعايير معينة، أو بناء على التاريخ الإئتماني للشخص، وذلك تمامًا ينطبق على العلاقات بين البشر التي تظهر على أنها بسيطة ولكنها معقدة، فأنت تثق بكثير من حولك بناء على مواقف مسبقة (حقائق)، وقد يكون بسبة (حدثني أحد الثقات أن فلان شخص جيد)، كما في سؤال الآخرين عن الخاطب من حيث أخلاقه وغيرها، تماما كما نستمد كثير من قيمنا الأخلاقية من النصوص المقدسة (الذي تتمثل هنا في الأشخاص الذين نثق بهم).

في النهاية، أرجو أن أكون قد وفقت في إيصال الأفكار، مع العلم أنها تبقى مجرد أفكار ومواقف شخصية، ويجب ألا تؤخذ كمعلومات يستند عليها كوني لا أملك الثقافة والمعلومات الكافية في علم الإجتماع أو علم النفس.

رأي واحد على “سام هاريس والبنشري!”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *